الإفتتاحيَّة للعدد الخامس عشر

فَليَكُن لي بِحَسَبِ مشيئتِكَ

تتميَّز حياة الأب توما صالح بالتَّسليم لمشيئة الله. لم يَخَف أبداً من إبداء رأيه الجريء، لكنَّه كان يسارع إلى الطَّاعة. رأى في تعيينه في ماردين، تلك البلاد البعيدة، "إرادة الله". ولما نُقِلَ، بعد سنتين، إلى خربوط، حيث لا يتكلَّم الناس إلاَّ التُّركيَّة والأرمنيَّة، الَّتي كان يجهلهما، أطاع على الرَّغم من الصُّعوبات: "لقد أراد الرَّبُّ أن يُرسِلَني إلى هنا، من خلال أمر الرُّؤساء، فليرضَ عنِّي ويُساعِدْني على إتمام مشيئته القدُّوسة"

وعندما صار قادراً على تدبير أمره، نُقل إلى دياربكر. فرأى أنَّ هذا التَّدبير غير الحكيم يُبدِّد طاقات الرِّسالة، لكنَّه أطاع لأنَّه مُقتنعٌ، على حدِّ قوله، "أنَّ إرادة الرُّؤساء هي إرادة الرَّبّ". ولمَّا ساءت الأوضاع في البلاد، كتب: "لا نعرف ما ينتظرنا، ولا ما تُحضِّره لنا العناية الإلهيَّة. لتتمَّ مشيئته المقدَّسة. ليس لنا سوى أن نضع مصيرنا بين يدَي الرَّبِّ الرَّحيم". ولمَّا بدأت الحرب، كتب إلى أهله: "رجائي وأملي في الَّذي يُتَّكل عليه. وهو الَّذي سيُدبِّر كُلَّ شيء. ما فائدة إشغال الفكر إذ ما من شعرةٍ تقع من رأسنا من دون إرادته تعالى؟ حياتي من عند الله وهو يقدر أن يأخذها متى يشاء". تسليمٌ مُطلق لإرادة الله.

وعلى فراش الموت، قال لإخوته المسجونين معه: "كلِّي ثقةٌ بالرَّبِّ، إنَّ الرَّبَّ لن يتركنا. أنا لا أخاف الموت، ولماذا أخافه؟ أليس الآب الرَّحوم هو مَن سيُديننا؟ ألسنا نتألَّم الآن محبَّةً به؟" وللكاهن الأرمنيِّ، الَّذي كان سببَ آلامه وموته، قال: "لستُ بنادمٍ على شيء، فلتكُن مشيئته القدُّوسة".

 

thomas saleh