"خذوا كلوا... خذوا اشربوا" (لو 22 / 1-23)

"خذوا كلوا هذا هو جَسَدي... خذوا اشربوا هذا هوَ دَمي!"

مسيرة تَفتيش الله عن الإنسان لامَسَت خواتيمها؛ إبتدأت بين شجر بستان الزَّيتون وانتهَت على شجرة الصليب، لأنَّه على الصليب جَمَع يسوع كلَّ أبناء الآب المشتَّتين والهاربين، على الصليب إقتَرَب يسوع من كلِّ البشريَّة فأضحى جَسده المصلوب تجلِّيًا كاملاً لِحُبِّ الله اللامحدود. على الصليب إلتقى الله بالإنسان وجهًا لِوَجه وألغى كلَّ المسافات بين السَّماء والأرض.

إقتَرَبَ عيد الفصح...

إقتَرَبَ عيد الفصح... أي إقتَرَبَ عيد الخلاص والتحرُّر من العبوديَّة أي الشَّرّ والخطيئة والموت. لقد بدأ الأحبار والكتبة والشيوخ، مُمَثِّلي قِوى الشَّر، بالتآمر على المسيح. إنَّ هدَف الشرِّ الدَّائم هو قَتلُ الحياة، فالشرُّ حسود ولا يُطيقُ الخير.

دَخَلَ الشَّيطان في يهوذا

دَخَلَ الشَّيطان في يهوذا... بَقِيَ يهوذا رجُلاً حرًّا طيلة سماعه فقط لكلمة الله. لكن، عندما استمَع للشيطان وسَمَح له بدخول قلبه، سَيطَرَ الشكُّ عليه وفَقَدَ ثِقَتَه وحرِّيَّته البنويَّة وتحوَّل عَبدَ الخوف والموت فأصبَحَ رَمزَ الخيانة بين الاثني عَشَر: خانَ يسوع وابتَعَدَ عنه ولَجَأ إلى الأعداء وفاوَض معَهم كَي يُسلِّمَ يسوع.

"تسليمُ يسوع"

"تسليمُ يسوع": هذه العبارة تتَضمَّن كلَّ مأساة يسوع: يهوذا أسلم يسوع للرؤساء وهم أسلَموه لبيلاطُس وبيلاطُس أسلَمَهُ للشَّعب الذي صرَخَ: "اصلبه! اصلبه!" بهذا عبَّر الأحبار وقادة الحرَس عن فَرَحهم الذي ليس سوى فرحًا عابرًا وآنيًّا. كافأوا يهوذا بالفضَّة! أي بالمال، وكلُّنا يَعرِف أنَّ التعلُّق بالمال هو مَصدَرُ كلِّ الشرور: "لا تعبدوا ربَّين: الله والمال."

لقد حلَّ العيد، أي يوم الفطير، في هذا الجوِّ المظلِم من التآمُر على يسوع المخلِّص. لكنَّ يسوع الذي يَغمره حبُّ الآب سَوف يَجعَلُ من هذا اليوم يومَ الخلاص والفرَح: "هذا هو اليوم الَّذي صَنَعَهُ الرَّب، فَلنَفرَح ولنَتَهلَّل به..."في هذا اليوم، طَلَبَ يسوع من بطرس ويوحنَّا أن يُهَيِّئا له عشاء الفصح. بُطرُس ويوحنَّا هما عامودَي الكنيسة وسوف يسيران وراء المسيح حتَّى الاستشهاد. هذا هو اليومُ الأخير، يوم تمام الإنجيل، بدأ في أولى ساعات المساء، واستمرَّ طوال الليل وصولاً إلى ظُلمة ما بعد ظهر الجمعة وحتَّى صمت يوم السبت حيث ستسطَع أنوار القيامة.

في هذا الإنجيل نَحنُ مَعَ يسوع في عشائه الأخير حيثُ تمَّ تأسيس سرَّي الإفخارستيَّا والكهنوت: يسوع يُعطي ذاته كَي نَعيشَ من حياته. نَعيشُ من حياته إن بَقينا مَعه وإن اتَّكَأنا على مائدة الإفخارستيَّا معه. شَهوة يسوع هي أن أتغذَّى من جَسَده في الإفخارستيَّا وأعيشَ منه: أي أن يكون هو حياتي. "شَهوةً اشتَهيت أن آكُلَ هذا الفصح..."عادة، الحَمَلُ هو ذبيحة الفصح، لكن في هذا العشاء الأخير الحمَلُ هو جَسَدُ المسيح. في هذا العشاء حقَّق يسوع وَعده بإعطائِنا ذاتَه. وهذا العطاء كلَّفَه الآلام التي قَبِلَها حبًّا بنا: "خذوا كلوا هذا هو جَسَدي... خذوا اشربوا هذا هوَ دَمي!" نَحنُ هنا أمام قِمَّة حبِّ يسوع الَّذي اتَّحَدَ بنا وصار حياتَنا وهذا ما تَصبو إليه الخليقة بأسرِها. في هذا الكلام الجوهَري نتذوَّقُ حقيقة تواضع الله: لقد صار يسوع طعامًا! إبنُ الله صار قربانًا! نأكلُه كَي نَحيا! نأكله كَي نَصيرَ أبناء الآب بالابن... إذن، الإفخارستيَّا تؤلِّهنا.

يقول لنا يسوع: "إصنَعوا هذا لِذكري..." في كلِّ مرَّةٍ نَحتَفِلُ بالذبيحة الإلهيَّة نَرفَعُ الشكر للآب ونحصَلُ على نِعمة العيش الأخوي بالتواضُع والخدمة المتبادلة. علينا السهر والصلاة كي لا تكون يَدنا هي التي تُسلمه: ها هي يدُ الَّذي يُسلِمني معي على المائدة..." الإفخارستيَّا، أي الجلوس على مائدة الحمَل هيَ مرآة حقيقتِنا لأنَّها تساعدنا على رؤية ذواتنا وخاصَّة الأمور المزعجة فينا وأنانيَّتنا وذلك كي تُحرِّرَنا منها. فالإفخارستيَّا هي دَينونة خلاصيَّة لأنَّها تُنير ظُلُماتنا كي نَفتَح قَلبنا للرَّب وللقريب. بدلَ أن نُدين الآخر ونَخون يسوع فليسأل كلُّ واحدِ ذاته: "هل هو أنا، يا رب، مَن يُسلِمكَ؟"