flecheDieu tout-puissant, donne-nous de faire ce que nous savons que tu veux, et de toujours vouloir ce qui te plaît!



Articles

Des articles à lire et approfondir

 

مريم في روحانيَّة القديس فرنسيس

كانَ فرنسيس مغرمًا بالمسيح، ويندَهِشُ خصوصًا أمامَ تواضُعِه، في سرِّ التجسُّد، وحُبِّه، في سرِّ الفداء. يُريدُ أن يَتَشَبَّه به كُليًّا حتى يُصبِحَ يسوعُ حقًا أساس حياتِه الروحيَّة. محبَّتُه ليَسوع حَمَلَتهُ إلى محبَّة مريمَ العذراء، أمَّ يسوع: "فقَد حَظِيَت أمُّ يسوعَ بِمَحبَّةٍ فائقةٍ واحترامٍ يفوقان الوصف، من قِبَلِ القديسِ فرنسيس، وذلِكَ لأنَّها جَعَلَت من ربِّ السَّماء أخًا لنا جميعًا

إكرامًا لها، كانَ يُرتِّلُ تسابيحَ خاصَّة، ويَرفَعُ الصلوات، ويقدِّمُ عواطِفَ حارَّة يعجِزُ اللسان البشَريُّ عَن وَصفِها. ولعلَّ ما يَملأ القلبَ فرحًا أنَّهُ جَعَلَ منها مُحامية للرَّهبَنة، فوَضَعَ تَحتَ جناحِها أبناءَهُ حيثُ كان على وَشكِ مفارقتِهم، ليَجدوا فيها الدِّفء والحماية حتّى النهاية

إكرامُ فرنسيس لمريم العذراء

لقد أقامَ فرنسيسُ علاقةً مليئةً بالحُبِّ والتَّقوى معَ مريمَ لأنَّهُ أيقَنَ كَم لدَورِها من أهميَّة في مشروعِ حُبِّ الله الخلاصي للبشريَّة. نقرأ في القانون الأوَّل: "نَشكُرُكَ لأنَّكَ، مثلَما خَلَقتَنا بابنِكَ، كذلِكَ، بحُبِّكَ القدُّوس الذي به أحبَبتَنا، جَعَلتَهُ يولَدُ، إلهًا حقًّا وإنسانًا حقًّا، من الكليَّة الطوبى، القديسة مريمَ المجيدة، والدَّائمة البتوليَّة..." هذا ما جَعَل فرنسيس يكرم مريمَ، ويمدَحُها، ويتَّخِذُها مثالاً لهُ، ويتشبَّه بفضائلِها: التَّواضُع، والخدمة، وتسبيح الله وتمجيده والفقر والتجرُّد، والاستسلام لمشيئة الله

إبتدأت دعوة فرنسيس وانتهَت في حِمى العذراء. سلَّمَ ذاتَهُ بين يَدَيها مُتَّكِلاً عليها لِتُلهِمَهُ كيفيَّة عيشِ الإنجيل بشكلٍ أقوى وأعمَق. كَتَبَ القدِّيسُ بونافنتورا: "كانَ فرنسيس يتوسَّلُ بتَنَهُّدات متواصلة إلى تلكِ التي حبلَت بالكلمة المملوءة بالنِّعمة، أن تَتَنازَلَ وتكونَ شفيعةً لهُ واستجابت أمُّ الرَّحمة لصلواته وكما أُعطِيَ لها أن تَحمِلَ في أحشائها كلمة الله، وتَلِدُه، هكذا نالت له، باستحقاقاتِها، نِعمَة أن يَحبلَ، هو نَفسُه، ويَلِد روحَ الحقِّ الإنجيلي." كذلِكَ اتَّخذ منها المدبِّرة والمحامية لرهبانيَّته التي أسَّسَها، والتي بَقِيَت على مرِّ العصور تَحتَ رعايَتِها

أوجه إكرام فرنسيس لمريمَ العذراء

  1. مريم والمسيح

تتميَّزُ روحانيَّتُه المريميَّة بأنَّها لا ترتَكزُ على شخصِ مريم، بل أنَّ نقطة انطلاقِها، ومركَزه، هوَ دومًا يسوعُ، الذي حمَلته في أحشائِها، وولَدَتهُ للبشَر. هذا هو في الواقِع ما يُعلِّمنا إيَّاه المَجمَعُ الفاتيكاني الثاني، وهوَ ألاَّ يكونَ إكرامنا للعذراء مَريم مُنفصِلاً، بأيِّ شَكلٍ من الأشكال، عَن ابنِها يسوعَ، وعَن علاقتها بالمخطَّط الإلهي الخلاصي، وطاعتِها الكليَّة للمشيئة السَّماويَّة، لأنَّ "المسيح هوَ الوسيط الوحيد بينَ الله والنَّاس" (1 طيم 2/5). ودورُ مريمَ الأمومي نحو البشَر لا يحجب ولا ينقصُ بشيءٍ وساطة المسيح الوحيدة هذه، بل يُظهِرُ قوَّتها... (نور الأمم 60

مريمُ والثَّالوث
          عرفَ فرنسيسُ أنَّ العبادةَ موجبةٌ للهِ وحدَهُ، لأنَّه وحدَهُ القدُّوسُ، بينما مريمُ تشتركُ في قداستِه، إذ وضَعَها في تاريخِ الخلاصِ، شريكةً لهُ في حياتِهِ وحبِّه وملكِهِ: رافقَتْ يسوعَ في حياتِهِ على الأرضِ، وشاركَتْهُ في حُبِّهِ وفي فداءِ البشرِ، فكلَّلها الثَّالوثُ ملكةً وسلطانةً على السَّماءِ والأرض. لقد فهمَ فرنسيسُ علاقةَ مريمَ المميَّزةَ بكلٍّ مِنَ الأقانيمِ الثَّلاثة. فهوَ يقولُ لها في إحدى صلواتِهِ: ”أَيَّتُها القدِّيسَةُ، مَرْيَمَ العَذْراءَ، لَمْ يُولَدْ، في العالَمِ، مِثْلُكِ بَيْنَ النِّساءِ، يا بنْتَ العَلِيِّ، المَلِكِ الأَسْمى، الآبِ السَّماوِيِّ، وَأَمَتَهُ، يا أُمَّ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ الكُلِّيِّ القَداسَةِ، يا عَروسَ الرُّوحِ القُدُس“ (أ م 1-2). تملكُ مريمُ هذهِ الصِّفاتِ بفضلِ اللهِ وحدَهُ، فالابنةُ غيرُ موجودةٍ من دونِ الأبِ، والأَمةُ من دونِ الملكِ، والأُمُّ من دونِ الابنِ والعروسُ من دونِ العريس.
- بنتُ الآب: مريمُ هيَ حوَّاءُ الجديدةُ، الَّتي لم تعرفِ الخطيئةَ، لذا استحقَّتْ شرفَ البنوَّةِ بنقاوتِها. أمَّا المؤمنونَ فقدِ اكتسبُوا نعمةَ البنوَّةِ بفضلِ افتداءِ المسيحِ إيَّاهُم، الَّذي كانتِ العذراءُ مريمُ شريكةً بهِ: ”فلمَّا تمَّ الزَّمانُ، أرسلَ اللهُ ابنَهُ مولوداً لامرأةٍ ومولوداً تحتَ النَّاموسِ، ليفتدِيَ الَّذين هم تحتَ الناموسِ، فنحظى بالتَّبنِّي“(غل 4/4).
- أمةُ الآب: لا تعني، هنا، العبوديَّةَ، بل الخضوعَ الحرّ. فالعذراءُ هيَ مثالُ الخادمةِ الأمينةِ الَّتي قالَتْ بإرادتِها ”نَعَمْ“ لدعوةِ الآبِ لها، وبقيَتْ أمينةً لهذا ”النَّعَم“ حتَّى النِّهايةِ، فأسلمَتْهُ كلَّ كيانِها وحياتِها وطاقاتِها، فصنعَ بها ومِن خلالِها العظائم (راجع: لو 1/49).
- أمُّ الابن: العذراءُ مريمُ لم تكُنْ مجرَّدَ وعاءٍ، استخدمَهُ اللهُ لحمْلِ المسيحِ، ثمَّ انتهى دورُها لحظةَ الولادة. إنَّما أرادَها اللهُ أُمّاً لهُ، بكلِّ ما في الكلمةِ من معنىً، وأعطاها شرفَ رعايتِه وحمايتِه ومرافقتِه في كلِّ مراحلِ حياتِه. وهوَ كانَ لها الابنَ المطيعَ، يسمعُ كلمتَها، ويقبلُ وساطَتَها وشفاعَتَها، فوقَ كلِّ شفاعة.
- عروسُ الرُّوحِ القدس: وضعَ فرنسيسُ هذا الَّلقبَ في إطارٍ بيبليٍّ وثالوثيّ. ما يلفتُ النَّظرَ في روحانيَّةِ فرنسيسَ هي العلاقةُ الوثيقةُ بينَ مريمَ والرُّوحِ القدسِ، إذْ أقامَ مريمَ ”محاميةً“ عنِ الرَّهبنةِ، والرُّوحَ القدسَ ”رئيساً عامّاً للرَّهبنة“. كما طلبَ، أيضاً، في قانونِه، من الإخوةِ، أن يُقيموا المجمعَ السَّنويَّ في كنيسةِ سيِّدةِ الملائكةِ (مريم)، يومَ العنصرةِ (الرُّوحُ القدس). فرهبنتُهُ، بنظرِهِ، هي ثمرةُ الِّلقاءِ بينَ مريمَ والرُّوحِ القدس. والاحتفالُ بالمجمعِ، كلَّ سنةٍ، في كنيسةِ سيِّدةِ الملائكةِ، يومَ عيدِ العنصرةِ، هوَ، بالنِّسبةِ إلى فرنسيس، تجديدٌ لولادةِ الرَّهبنة. يقولُ القدِّيسُ لويس ماري غرينيون دو مونفور في هذا المجالِ: ”إنَّ الرُّوحَ القدسَ إذْ تزوَّجَ مريمَ، ووَلَدَ منها، وبواسطَتِها، يسوعَ المسيحِ، وبما أنّهُ لم يطلِّقْها أبداً، فهوَ ما يزالُ يَلِدُ فيها، وبواسطَتِها، كلَّ المعمَّدينَ، جميعَ الأيَّامِ، بطريقةٍ سرِّيَّةٍ، إنَّما حقيقيَّة“.

العذراءُ الَّتي صارتْ كنيسة

اتِّحادُ مريمَ العذراءِ، بأمانةٍ، بالرُّوحِ القدسِ، جعلَها أرضاً خصبةً تلدُ باستمرارٍ، بفعلِ قوَّتِهِ، إخوةً للمسيح. ”يقولُ القدِّيسُ أوغوسطينوس: "العذراءُ هيَ أُمٌّ لأعضاءِ المسيحِ"، لأنَّها ساهمَتْ، بمحبَّتِها، في أن يولدَ، في الكنيسةِ، المؤمنونَ الَّذين هُمْ أعضاءُ ذلكَ الرَّأس“ (س م 9/3). فالابنُ الَّذي ولدَتْهُ مريمُ قدْ جعلَهُ اللهُ ”بِكراً لإخوةٍ كثيرينَ“ (روم 8/29)، أيِ المؤمنينَ الَّذينَ تُسهِمُ مريمُ في ولادتِهم وتربيتِهم.
ومِن جهةٍ أخرى يرى فرنسيسُ، في مريمَ، مثالاً للكنيسةِ، في بتوليَّتِها وأمومَتِها. ويرى فيها أيقونةً لما يريدُ اللهُ أن يحقِّقَهُ في شخصِ كلِّ مؤمن. فالكنيسةُ، في مفهومِ فرنسيسَ، باتِّحادِها بالرُّوحِ القدسِ، هيَ:
- ذلكَ الحشا البتوليِّ الَّذي يحبلُ ويلدُ إخوةً للمسيحِ، في جرنِ المعموديَّةِ،
- الأمُّ الَّتي تحفظُ كلمةَ اللهِ حفظاً أميناً وتضعُ بواسطةِ الكرازةِ والعمادِ أبناءً مولودينَ منَ اللهِ،
- البتولُ الَّتي تحفظُ عهدَ الزُّوجِ وتحافظُ على كمالِ الإيمانِ وتوطيدِ الرَّجاءِ وملءِ المحبَّة.
أمُّ يسوعَ، في تمجيدِها في السَّماءِ بجسدِها وروحِها، هيَ صورةُ وبدءُ الكنيسةِ الَّتي ستبلغُ كمالَها في الدَّهرِ الآتي. تجعلُ البتوليَّةُ والأمومَةُ مريمَ والكنيسةَ شخصًا واحدًا: ”(...) العذراءُ صارَتْ كنيسة“ (ت م 1).

خلاصة
أعطى فرنسيسُ هذهِ الألقابَ المريميَّةَ لكلارا وأخواتِها، وهوَ يقولُ لهنَّ: ”(...) بِإِلهامٍ إِلَهِيٍّ، جَعَلْتُنَّ مِنْ ذَواتِكُنَّ بَناتٍ وإِمَاءٍ للمَلِكِ العَلِيِّ، والأَسْمى، الآبِ السَّماويِّ، وصِرْتُنَّ عَرائِسَ للرُّوحِ القُدُسِ، باختِيارِكُنَّ العَيْشَ، وَفْقاً لِكَمالِ الإِنجيلِ المُقَدَّس“ (ن ح 1).
وأعطى فرنسيسُ الألقابَ نفسَها لكُلِّ مؤمنٍ، وكأنَّهُ يقولُ لنا، بأنَّنا بإمكانِنا جميعاً أن نصيرَ مثلَ مريمَ: ”وهُمْ أَبناءُ الآبِ السَّماويِّ، الَّذين يَعْمَلونَ أَعمالَهُ، وهُمْ عَرائِسُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، وَإِخْوَتُهُ، وَأُمَّهاتُه. إِنَّنا عَرائِسُ عِنْدَما تَتَّحِدُ النَّفْسُ المُخْلِصَةُ، بِوَاسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، بِرَبِّنا يَسوعَ المَسيح. وإِنَّنا إِخْوَةٌ لَهُ عِنْدَما نَعْمَلُ بِمَشيئَةِ الآبِ الَّذي في السَّمَوات. ونَحْنُ لَهُ أُمَّهاتٌ، عِنْدَما نَحْمِلُهُ في قَلْبِنا، وفي جَسَدِنا، بِحُبٍّ إِلَهيٍّ، وبِضَميرٍ نَقِيٍّ وصادِقٍ، وعِنْدَما نَلِدُهُ بالعَمَلِ المُقَدَّسِ، الَّذي يَنْبَغي أَنْ يَتَلألأَ، قُدْوَةً للآخَرين“ (1 ر م 1/7-10).
يدعو فرنسيسُ، إذاً، المؤمنَ لاكتشافِ هويَّتِهِ الحقيقيَّة، على مثالِ مريم: أي أنَّهُ ابنٌ للآبِ، أخٌ ليسوعَ، وأُمٌ له، وعروسٌ للرُّوحِ القدس. فتصبحُ مريمُ، هكذا، مثالاً لكلِّ مؤمنٍ من خلالِ حياتِها وإيمانِها وفضائِلِها، ومن خلالِ علاقتِها بالثَّالوث.
عندما نتأمَّلُ بمريمَ، نتعلَّمُ أن ننظرَ إلى الآخرينَ نِظرتَها هيَ، ونكتشفَ فيهِم كلَّ ما هو صالحٌ، ونتعلَّمُ أيضاً أن ننظرَ إلى اللهِ نِظرتَها هيَ، فنكتشفَ فيهِ الإلهَ الَّذي يختارُنا. ”السَّلامُ عليكِ يا مريمَ... مباركةٌ أنتِ بينَ النِّساء“: بالنِّهايةِ، هذا السَّلامُ موجَّهٌ إلينا نحنُ. فنحنُ، إذاً، مباركونَ منَ الآب. ونحنُ مدعوُّونَ لنسلكَ الطَّريقَ نفسَهُ الَّذي سلكَتْهُ هي.


الأب طوني حدَّاد الكبُّوشيّ