بقلم الأخ مخايل مغامس الكبُّوشي

المرارة والعذوبة عند فرنسيس الأسيزي

"لمَّا كُنت في الخطايا، كانت تَبدو لي رؤية البرص مرَّةً جدًا. وقد قادَني الرَّبُّ نَفسُه بينَهم، ورئِفتُ بهِم. ولدى ابتعادي عنهُم، تحوَّل ما كانَ يبدو لي مرًّا إلى عذوبة الرُّوح والجَسَد." (وصية، 1-3)كلَّما قرأنا حياة فرنسيس وكتاباته كلَّما رأينا بشكلٍ واضِح كم يُعطي أهميَّة لهذا "المزدوج" المرارة-العذوبة. الاهتداء الذي هو مسيرة "مرَّة" يَضعُه فرنسيس في إطار إنفصاله عن "عذوبة الخطيئة" بانتظار معرفة واختبار "العذوبة الإلهيَّة".

مذاق البَرَص المُرّ

في عصر فرنسيس كان هذا المرض بمثابة الأمراض المزمنة في عصرنا كالأيدز والسَّرطان... إنَّها أمراض خبيثة تشمئزُّ منها النَّفس. لكن المُخيف في مرض البَرَص هو الرائحة الكريهة وبالتالي إهتراء الجسد ممَّا يؤدِّي إلى قطع الأعضاء (اليدين، الرجلين، المنخار، الأذن، الوجه المشَّوه...) العلاج في عصر فرنسيس كان يقضي بِعزل المصابين بهذا المرض في أمكنة خاصَّة. يُخبِرنا شيلانو في السيرة الأولى كم كان فرنسيس يشمئز من البُرص: كان يقطَع أنفاسَه ويسدُّ منخاريه عندما يمرُّ من أمام مآوي البرص. لا نَستَغرب إذن عندما يقول شيلانو أنَّه كي يتمكَّن فرنسيس من تقبيل الأبرَص كان يلزَمُه: "الانتصار على الذَّات"، "السيطرة على نفسه أكثر فأكثر" بالإضافة إلى "نعمة وقدرة الله العليّ". تقبيل الأبرص لا يُمكن أن يتخيَّله عقلٌ بشري في أيَّام فرنسيس.

العذوبة الإلهيَّة

العذوبة، بعكس المرارة، ستكون هي الظاهرة والطاغية في خبرة فرنسيس الروحيَّة. فالله يتجلَّى له في العذوبة. الذين كتبوا قصَّة حياة فرنسيس يروون بشكل لافت كم كانت لقاءات فرنسيس مع الرَّب مصبوغة بالعذوبة. ففي شيلانو نقرأ مثلاً: "كان فرنسيس إذا اضطرَّ لاستقبال بعض العلمانيِّين أو انشَغَلَ في تداول بعض الأمور الحياتيَّة الأخرى سُرعان ما يقطَعُ تلكَ المقابلات قبل انتهائها كي يعود ثانيةً إلى عالم التأمُّل والصلاة، ولأنَّه تذوَّق طَعمَ العذوبة السَّماويَّة فقَد أصبَحَ العالَم لا طعم له فقَد جَعَلت الحلاوة الإلهيَّة ذوقه صَعبًا، فلَم يَعُد يَستسيغَ أطعمَةَ البَشَر." (2شيلانو 94-95). هناك خبرة أخرى تُظهر العذوبة الإلهيَّة التي عاشها فرنسيس وذلك في حدَث "غريتشو": فوقَ كلِّ الاحتفالات الدِّينيَّة كانَ فرنسيس يَحتَفِلُ بعناية خاصّة واحتفاء عزَّ نظيره بعيد ميلاد الطفل يسوع. لذلِكَ كانَ يدعوه عيد الأعياد اليوم الَّذي صار فيه الرَّبُّ طفلاً صغيرًا وَرَضِعَ من ثَديٍ بَشَري. كانَ يُقَبِّل بِشَغَفٍ تلك الأطراف الطفوليَّة في كلِّ صورة له، لَقد كانت حنايا قلبه تتأجَّج محبَّة وتَفيضُ عَاطفةً في حُبِّ الطفل يسوع، فَتَدفعه لأن يَنطِق بكلماتٍ عذبة كتلك التي تُردِّدها شفاه الأطفال الأبرياء. لقد كان إسمُ الطفل يسوع شهيًّا لدَيه أكثر من مذاق العَسَل المُصفَّى في الفمّ." (2 شيلانو 199).

 

العذوبة الإلهيَّة والعذوبة البشريَّة

بالنسبة لفرنسيس فالله يتجلَّى بالعذوبة. الله بذاته عذوبة. في المقابل المناقِض، عندما يبحَثُ الإنسان عن العذوبة فهو، بشكلٍ عام، لا يقصد العذوبة الإلهيَّة. لا بَل أبعَد من ذلك! اليوم، وفي لغتِنا، عندما نقول أنَ أحدًا ما يعيش في "العذوبة" نقصُد غالبًا أنَّه يعيش في الرَّغد، والرَّخاوة واللامبالاة وفي حياة اللذة... في هكذا قاموس، العذوبة تُستَبدَل بالرَّخاء والعيش الهنيء المادي.
في قاموس الكتاب المقدَّس، "العذوبة" هي من ثمار الرَّوح القدس: تُسمَّى "اللُّطف، أو الوداعة... "طوبى للودعاء فإنَّهم يرِثون الأرض... (متى 5/4) يسوع يقول عن ذاته: "إنِّي وديع ومتواضِع القلب"... (متى 11/29) باختصار الكتاب المقدَّس مليء بالعبارات التي تتكلَّم عن "عذوبة الرَّب".

الإلتباس سهلٌ عند الإنسان، فهو يُخطىء بسهولة في فهم العذوبة. مار فرنسيس عرف ذلك ولذا أوصى المؤمنين وإخوته قائلاً: "أنظُروا، أيُّها العميان، المخدوعون بأعدائنا، أي الجَسَد والعالَم، وإبليس. فإنَّه لَعذبٌ للجسَد ارتكابُ الخطيئة، ومرَّةٌ خِدمَةُ الرَّب..." (2 رسالة إلى المؤمنين 69). ويقول في الوصيَّة أيضًا: "كانت تَبدو لي رؤية البرص مرَّةً جدًا. وقد قادَني الرَّبُّ نَفسُه بينَهم، ورئِفتُ بهِم. ولدى ابتعادي عنهُم، تحوَّل ما كانَ يبدو لي مرًّا إلى عذوبة الرُّوح والجَسَد." (وصية، 1-3)

نرى في ذلك خطَّين معاكسَين ما بين "العذب" و "المُرّ". من جهَّة يجِب ترك "العذب" والانتقال إلى "المُرّ" ومن جهة أخرى يجب ترك "المُرّ" للوصول إلى "العذوبة". لكن، محتوى العذوبة مُختلِف. يُمكِننا القول أنَّ كل مسيرة إهتداء فرنسيس تُختَصر بهذا الطريق المزدوِج: من العذوبة إلى المرارة ومن المرارة إلى العذوبة. خدمة الرَّب تكمن في ترك عذوبة الخطيئة وتقبُّل مرارة خدمة الرَّب في البرص. لكنَّ مرارة خدمة الرَّب في البرص ستؤدِّي إلى الحصول على العذوبة الإلهيَّة حتى في الجسَد. في هذا الأمر، هناكَ دون شكّ فصح (عبور) يجِب أن نعيشُه.

حياة فرنسيس الإنجيليَّة نوجزها بهذا الفصح
عذوبة ــــــــ مرارة ــــــــــ عذوبة
خطيئة ـــــــ خدمة البرص ــــــــــ الله

المهمَّ أن لا نَخطأ بهويَّة ومحتوى العذوبة. عذوبة الاهتداء يرافقها دومًا طَعمٌ مرّ، كما يقول سفر الرُّؤيا: "ذهَبتُ إلى الملاك وسألته أن يُعطيني الكتاب الصغير فقالَ لي: خذه فابتَلِعهُ يملأ جوفَكَ مرارةً، ولكنَّهُ سَيكون في فَمِكَ حلوًا كالعسَل" (10/8-11).

هذا ما فهمه فرنسيس تمامًا وشيلانو يوضِّح كلمات الرَّب له في السيرة الثانية: "يا فرنسيس، لقَد حانَ الوقت لكي تَترُك كلَّ ملَّذات الدُّنيا الفانية وتَتَمَسَّك بالملذَّات الرُّوحيَّة. فضِّل الأمور المرَّة على الحلوة إن أرَدتَ أن تتبَعني إحتَقِر شَهوةَ نَفسِكَ؛ لأنَّك سوفَ تتذوَّق حلاوة ما أقولُه لكَ وإن كان يبدو أمرًا مُخالِفًا للطبيعة." (2 شيلانو 9). بعد ذلك، وبعد أن ملأ الرَّب فرنسيس "بعذوبة الروح القدُس" هبَّ بقوَّة وراح يخدم البرص بحُبٍّ وفَرَح: "شَعَرَ فرنسيس بالفرَح والإعجاب معًا ورَغِبَ في أن يُكرِّرَ هذا العَمَل فتَوَجَّه إلى أحد ملاجىء البُرص، وراحَ يَنحني على يَدِ وفَمِ كلِّ أبرَص منهم مقبِّلاً وواضِعًا في يَدِ كلِّ واحدٍ منهم مبلَغًا من المال." (2 شيلانو، 9)

في الختام، يدعونا الرَّب يسوع من خلال فرنسيس أن نتعلَّم العيشَ الحقيقي من هذه العذوبة الإلهيَّة وذلك في المحبَّة الأخويَّة والخدمة اليوميَّة لِبَعضِنا البَعض والتي هي علامة للعذوبة والحُب الإلهيَّيَن. في هذا الإطار، تأتي نصائح مار بولُس لأهل قولُسي: "وأنتُم الَّذين اختارَهُم الله فقدَّسَهم وأحبَّهم، إلبَسوا عواطِفَ الحنان واللطف والتواضُع والوداعة والصَّبر. إحتَمِلوا بَعضكم بَعضًا، واصفحوا بعضُكم عن بعضٍ ..."(3/12).