نَظرة فرنسيس: نَظَر إليه وأحبَّه
مكانة حاسَّة النّظّر عند الإنسان لها أبعادُها في مَعرِفة ما يَجولُ في فِكره وخاطِره ونواياه. في طَبعِه ومزاجِه، يبدو أنَّ فرنسيس الأسيزي كان مُنشَغِفًا في رؤية الأقمشة الجميلة (مَتجَر والدِه) وفي رؤيَّة الخيَّالة (طموحه أن يُصبِح فارسًا). باختصار، كان نَظَرُه مُسلَّطًا إلى ما يَعكُسُ نَظرته للحياة وطموحاته. في نَفسِ الوقت، كانَ يَنظُر إلى الفقراء ولكنّه لم يكُن يُطيل النظَر إليهم
النظرة هي بداية المشوار
كُلُّنا نَختَبِرُ ونعرف أنَّه لا يُمكننا أن نرى كلَّ ما يُحيطُ بنا، لذا كلُّ واحدٍ منَّا يضع فلترًا لما يُريد أن يرى وينظر. كلُّ واحِدٍ منَّا يَختار غالبًا الأمر الذي يرغب النظَر إليه والتمعُّن به. هذا يُظهرُ كم للنظَر من أهميَّة! أن أنظرَ إلى إنسانٍ ما أو أمرٍ ما وأُمعِنَ النَظَر والتحديق، هذا يَعني أنَّ ما أنا ناظره يَعنيني بشكلٍ مباشر "نظرَ إليه وأحبَّه..." أنظُرُ إلى إنسان، أُحبُّه وآخُذُه على عاتقي وأهتمُّ به... النظرة إذن هي بداية المشوار أي بداية الطريق في العلاقة
لا صورة له ولا بهاء
في مسيرته، أراد الربُّ أن يلتقي فرنسيس بالأبرَص وأن يَنظُرَ إليه. ذاك الأبرَص كان يُمثِّل محوَر الخوف عند فرنسيس والإشمئزاز. الربُّ جَعَل فرنسيس ينظُر مباشرة إلى مَصدر خوفه الكبير... وإذا بفرنسيس الحالم والرَّاغب في رؤية ما هو جميل، ما هو مُمتِع، يقِف فجأةً أمام مَنظَر يُخيفُه ويشمئِزُّ منه وينفر منه... إنَّه منظَر الأبرص البشِع والمقرِف... إلى هذا المنظَر جَذَبَ الربُّ فرنسيس. إنَّه منظَرُ العبد المتألِّم كما يصفُه أشعيا: "لا صورة له ولا بهاء، فنَنظُرَ إليه ولا منظَر فَنَشتَهيَهُ، مُزدرى ومتروك من الناس، رجُلُ أوجاع وعارفٌ بالألَم... (أشعيا 53/2-3)
المرارة تتحوَّل إلى عذوبة
هذا الأبرص الذي التقاهُ فرنسيس ونَظَرَ إليه وجهًا لوجه هو الأيقونة الحقيقيَّة لذاك العبد المتألِّم. هذه الرؤيا للأبرَص سَتَنقُل فرنسيس من وَضعٍ إلى آخَر. سَيَنصَبِغُ نَظَرُ فرنسيس بمفهوم الإنجيل: نظَر إليه وأحبَّه." نَعَم، لَقَد نَظَرَ فرنسيسُ إلى الأبرَص، مَشى نَحوَه، غَمَرَهُ وقبَّله وأحبَّه... لقَد تبدَّل كلُّ شيء: المرارة تحوَّلت إلى عذوبة
أريدُ أن أرى الطفل يسوع بعيون الجسد
منذ تلك اللحظة، بدأت الرَّغبة تجتاحُ فرنسيس. رغبةٌ في رؤية يسوع في كلِّ إنسان، لا بَل في رؤية يسوع كما هو، بفقرِه وغناه، بلاهوته وناسوته... أصبح النظَرُ بُعدًا مهمًّا في حياته الروحيَّة والإنسانيَّة. في قصَّة مغارة غريتشو، يقول شيلانو عن لسان فرنسيس: "أريدُ أن أرى الطفلَ يسوع بعيون الجَسَد." هذا يَعني أنَّ فرنسيس تحوَّل إلى رجُلٍ يُريد أن يَرى الواقع ويختَبِرَه ويتحسَّسَهُ. إنَّه التحوَّل من النظَر إلى اللمس فإلى العمَل والخدمة: ها هو فرنسيس يزور البرص، يعيش معهم، يغمرهم، يغسِلُ جراحَهم ويعتني بهم
العبور من الخيال إلى الواقع
كلُّ ذلِك لم يَكُن من نَسجِ الخيال ولَم يَرضى فرنسيس أن يستسلِم للنظريَّات وعالم الأفكار. أراد أن يكون واقعيًا عمليًّا. أرادَ أن يَختَبِرَ ويعيشَ بِجَسَده ما يعيشه أخاه الإنسان. "أريد أن أُكمِلَ في جَسَدي ما نَقُصَ من آلام يسوع." هذا ما عاشَهُ فرنسيس طيلة مسيرة توبَتِه واهتدائه حتَّى آخر رَمَق من حياته. الترجمة الفعليَّة لهذه المشاركة في الجسَد بآلام المسيح كانت سِمات المسيح الخمس التي انطَبَعَت في جسمه قبل سنَتين من وفاته
نَظَر إليه وأحبَّه


من صليب سان داميان حتَّى جبل الفرنا، تحوَّل نَظَر فرنسيس إلى يسوع في الانسان والمخلوقات جميعًا إلى تعبير كاملٍ عن الحبِّ الكامِل... هل بإمكان ذلك أن يَحمِلنا إلى إعادة النظَر في طريقة نَظَرنا ولقائنا مع إخوتِنا البشَر ومع كلِّ المخلوقات؟ هل بإمكاني أن أتحوَّل إلى إنسانٍ ينظُرُ إلى أخيه الإنسان ويُحبُّه وبالتالي ينظر إلى الله ويحبُّه